الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
48
نفحات الولاية
شرج بمعنى الشق . فانّ مفهوم الجملة المذكورة هو أنّ اللَّه ضغط تلك الكتلة العظيمة للدخان . ثم أدال الشقوق وربط أطرافها مع بعضها ، وكأنّ هذه الشقوق كالصناديق التي تغلق مقابضها وتوصل مع بعضها لحفظ ما فيها . والعبارة تتفق وما توصل إليه العلم الحديث الذي صرح بضغط كتلة الغاز بفعل الجاذبية الداخلية . ثم واصل كلامه عليه السلام حول فصل السماوات عن بعضها وفتح أبوابها المؤصدة ( وقد جعل مسافة بينها ) « وفتق بعد الارتقاء صوامت أبوابها » . ولعل هذه العبارة إشارة إلى ما توصل إليه العلماء الذين يعتقدون أنّ تلك الكتلة الغازية الهائلة قد شهدت انفجارا داخليا عظيما لتتلاشى وتظهر منها الكواكب والمجرات . وعلى ضوء الفرضية الأخرى فان بعض أجزائها أخذت بالانفصال عن البعض الآخر إثر حركتها الدورانية الشديدة والقوة الطاردة عن المركز ، فابتعدت عن بعضها البعض في هذا الفضاء لتتشكل منها الأجرام السماوية . فقد قال القرآن الكريم بهذا شأن « أَوَ لَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمواتِ وَالأَرضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما » « 1 » . ثم أشار في العبارة الرابعة إلى خلق الشهب السماوية ( التي تشاهد في السماء على هيئة خطوط من النور تتحرك بسرعة ) ثم تنطفئ ، فقال عليه السلام : « وأقام رصدا من الشهب الثواقب على نقابها » « 2 » . لابدّ من الالتفات هنا إلى أنّ الرصد على وزن الصدف ذات معنى مصدري في الأصل وتعنى الاستعداد والتأهب لمراقبة الشئ وحراسته . كما تطلق على الفاعل وتستخدم في المفرد والجمع . ونقاب جمع نقب بمعنى الطريق أو الفاصلة بين شيئين . وعليه فالعبارة تعنى أنّ اللَّه زود طرق السماوات بهذه الشهب لتحول دون نفوذ الشياطين إلى السماوات ؛ الأمر الذي أشير إليه كرارا في عدة آيات من القرآن الكريم ، ومن ذلك الآية الثامنة من سورة الصافات « لا يسمعون إلى الملأ الأعلى ويقذفون من كل جانب دحوراً ولهم عذاب واصب إلّامن خطف الخطفة فاتبعه شهاب ثاقب » ، فالذي يستفاد إجمالًا من هذه الآيات وسائرها الواردة
--> ( 1 ) سورة الأنبياء / 30 . ( 2 ) المراد بالرؤية هنا تلك التي تحصل عن طريق الفكر والتأمل ، لا عن طريق المشاهدة الحسية ؛ وذلك لأنه لم يكن الإنسان في ذلك الزمان كما احتمل في تفسير هذه الآية ان المراد من رتق السماوات عدم وجود المطر ونمو النباتات ، والمراد بفتقها هو نزول المطر ونمو النباتات .